سيد محمد طنطاوي
43
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ومنشأ اختلافهم في أن الذكاة تعمل أولا تعمل يعود إلى : هل الاستثناء هنا متصل أو منقطع ؟ فمن قال إنه متصل يرى أنه أخرج من الجنس بعض ما تناوله اللفظ ، فما قبل حرف الاستثناء حرام ، وما بعده خرج منه فيكون حلالا . ومن قال إنه منقطع يرى أنه لا تأثير للاستثناء في الجملة المتقدمة . وكأنه قال : ما ذكيتموه من غير الحيوانات المتقدمة فهو حلال أباح اللَّه لكم التمتع به . أما هذه الحيوانات التي حرمها اللَّه في الآية فلا يجوز لكم الأكل منها مطلقا . وقد رجح المحققون من العلماء أن الاستثناء متصل ، وقالوا : يؤيد القول بأن الاستثناء متصل الإجماع على أن الذكاة تحلل ما يغلب على الظن أنه يعيش فيكون مخرجا لبعض ما يتناوله المستثنى منه ، فيكون الاستثناء فيه متصلا . هذا ملخص لما قاله العلماء في هذه المسألة ومن أراد المزيد فليرجع إلى كتب الفروع . 3 - إباحة تناول هذه المحرمات عند الضرورة لدفع الضرر ، وأن هذه الإباحة مقيدة بقيود ذكرها الفقهاء من أهمها قيدان . الأول : أن يقصد بالتناول دفع الضرر فقط . الثاني : ألا يتجاوز ما يسد الحاجة ، أما إذا قصد التلذذ أو إرضاء الشهوة ، أو تجاوز المقدار الذي يدفع الضرر فإنه في هذه الأحوال يكون واقعا في المحرم الذي نهى اللَّه عنه . وقد تكلم الإمام ابن كثير عن هذه المسألة فقال : قوله - تعالى - * ( فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّه غَفُورٌ رَحِيمٌ ) * . أي : فمن احتاج إلى تناول شيء من هذه المحرمات التي ذكرها اللَّه لضرورة ألجأته إلى ذلك فله تناوله واللَّه غفور له رحيم به ، لأنه - تعالى - يعلم حاجة عبده المضطر وافتقاره إلى ذلك فيتجاوز عنه ويغفر له . وفي المسند وصحيح ابن حبان عن ابن عمر - مرفوعا - قال : رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم « إن اللَّه يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته » . ولهذا قال الفقهاء : قد يكون تناول الميتة واجبا في بعض الأحيان ، وهو إذا خاف على نفسه ولم يجد غيرها ، وقد يكون مندوبا ، وقد يكون مباحا بحسب الأحوال . واختلفوا : هل يتناول منها قدر ما يسد به الرمق ، أوله أن يشبع ويتزود على أقوال ، وليس من شرط تناول الميتة أن يمضى عليه ثلاثة أيام لا يجد طعاما ، كما قد يتوهمه كثير من العوام وغيرهم - بل متى اضطر إلى ذلك جاز له . وقد روى الإمام أحمد عن أبي واقد الليثي أنهم قالوا : يا رسول اللَّه ، إنا بأرض تصيبنا بها